عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
481
اللباب في علوم الكتاب
وقال : شاهت الوجوه ، فلم يق مشرك إلّا ودخل في عينه وفمه ومنخريه منها . فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم « 1 » . وقال قتادة وابن زيد : ذكر لنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم ، وبحصاة في ميسرة القوم ، وبحصاة بين أظهرهم ، وقال : شاهت الوجوه فانهزموا ، فذلك قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 2 » [ الأنفال : 17 ] . إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفّا من الحصى إلى وجوه جيش ، فلا تبقى فيهم عين إلّا ويصيبها منه شيء . وقيل : المعنى : وما بلغت إذ رميت ولكن اللّه بلغ ، وقيل : وما رميت بالرّعب في قلوبهم إذ رميت بالحصاء ولكن اللّه رمى بالرّعب في قلوبهم حتى انهزموا . القول الثاني : أنّها نزلت يوم خيبر . روي أنّه عليه الصّلاة والسّلام أخذ قوسا وهو على باب خيبر ، فرمى سهما ، فأقبل السّهم حتّى قتل ابن أبي الحقيق وهو على فراشه ، فنزلت الآية « 3 » . القول الثالث : أنّها نزلت في يوم أحد ، وذلك أن أمية بن خلف أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعظم رميم وقتّه ، وقال : يا محمّد ، من يحيي هذا وهو رميم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « يحيّيه اللّه يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النّار » فأسر يوم بدر ، فلما افتدي قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّ عندي فرسا أعلفها كلّ يوم فرقا من ذرة كي أقتلك عليها . فقال عليه السّلام : « بل أنا أقتلك إن شاء اللّه » فلمّا كان يوم أحد أقبل أبيّ يركض على ذلك الفرس حتى دنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « استأخروا » ورماه بحربة فكسر ضلعا من أضلاعه ، فحمل فمات ببعض الطريق ففي ذلك اليوم نزلت الآية « 4 » . والصّحيح أنّها نزلت في يوم بدر وإلّا لدخل في أثناء القصّة كلام أجنبي عنها ، وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع ؛ لأنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب .
--> ( 1 ) انظر معالم التنزيل للبغوي ( 2 / 237 - 238 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 204 ) عن ابن زيد وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 316 - 317 ) وعزاه إلى ابن أبي حاتم . وأخرجه الطبري ( 6 / 203 ) عن قتادة وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 316 ) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 318 ) وعزاه إلى الطبري وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 204 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 317 ) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم .